محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

350

الإنجاد في أبواب الجهاد

قالوا : وكان فعل عمر في توقيف الأرض بمحضر الصحابة ، من غير نكير ( 1 ) ، فدلَّ ذلك على أن معنى قوله - عز وجل - : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال : 41 ] : فيما عدا الأرضين ، وأن الأرض لا تدخل في عموم ذلك ، واستدلوا بأشياء من هذا الباب ، ليس فيها بيانٌ جليٌّ . وقول ثالث : إن الإمام مخيَّرٌ بين أن يقسمها في المغانم ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ، أو يقفها لمصالح المسلمين ، كما فعل عمر بأرض السَّواد ، وهو قول سفيان الثوري ، وأبي عُبيد ، وأكثر الكوفيين ( 2 ) ، وكأنهم رأوا الآيتين - آية الغنيمة من سورة الأنفال ، وآية الفيء من سورة الحشر - واردتين مورد التخيير في حكم الأرض بخاصّة ، قال بعضهم : فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر اتباعاً لآية الغنيمة ، ووقف عمر أرض السواد اتباعاً لآية الفيء ، وهذا أيضاً مما لا دليل عليه يوضح دعوى التخيير فيه ، والأرجح ما ذهب إليه الشافعي ، والله أعلم ( 3 ) .

--> ( 1 ) وتلا عمر على ذلك كلٌّ من : عثمان ، وعلي - رضي الله عنهما - . فذكر هذا الفعل عن عثمان : أبو يوسف في « الخراج » ( 35 ) ، وأبو عبيد ( ص 109 ) ، وابن زنجويه ( 1 / 253 ) كلاهما في « الأموال » . وأما عن علي : فقد أخرجه ابن أبي شيبة في « المصنف » ( 11 / 110 رقم 10656 ) ، وأبو عبيد ( رقم 208 ) ، وابن زنجويه ( 323 ) كلاهما في « الأموال » ، ويحيى بن آدم ( 113 - 117 ) ، وأبو يوسف ( 36 - 37 ) كلاهما في « الخراج » ، والبلاذري في « فتوح البلدان » ( 266 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 9 / 135 ) من طرق عنه - وهي لا تسلم من ضعف أو انقطاع ، ومجموعها يدلل على أن لها أصلاً - بألفاظ متقاربة ، منها : « لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض ؛ لقسمت السواد بينكم » . ( 2 ) وهم : أبو حنيفة وأصحابه ، وسيأتي - قريباً - توثيق ذلك . ( 3 ) بل الراجح - والله أعلم - أن الإمام مخير في الأرض المفتوحة عنوة ؛ بين جعلها فيئاً وبين جعلها غنيمة ، فإذا رأى المصلحة في جعلها غنيمة قسمها بين الغانمين ؛ كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر ، وإن رأى أن لا يقسمها جاز ؛ كما لم يقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة ، مع أنه فتحها عنوة ، وهذا مذهب : أبي حنيفة ، والثوري ، وأبي عبيد - كما ذكر ذلك المصنف - ، وكذلك هو مذهب : ابن سيرين ، وعمر بن عبد العزيز ، وأحمد في المشهور عنه . انظر : « الأموال » ( 107 ) لأبي عبيد ، « الأموال » لابن زنجويه ( 1 / 248 ) ، « السير الكبير » ( 3 / =